نفحات من الشعر
بقلم: فاطمة عليمات
الجامعة الأردنية- قسم اللغة العربية
لقد حبا الله لغتنا العربية بتراث بلاغي عظيم نشأ وترعرع على أيدي نخبة من علماء العربية العظام ، فكان لكل منهم أسلوبه وطريقته في تناول هذا التراث ودراسته،ثم سار على خُطى هؤلاء نخبة أخرى من علماء علم اللغة الحديث فكان لزاماً علينا أن نتّبع مسيرة هؤلاء في الكشف عن مكنونات هذا التراث وجواهره منطلقين من دعوة أستاذنا الدكتور(محمد بركات) بضرورة قراءة تراثنا البلاغي قراءة ثانية فيها الوفاء للنافع من القديم والانتفاع بالجيد من طرائق الدرس الحديثة غير مغفلين وظيفة البلاغة الدنيوية في إبراز جماليات فن القول العربي.
من هنا جاءت وقفتنا في حلقة البلاغة العربية أمام مصنف عظيم هو "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده"لابن رشيق الذي اختاره أستاذنا الفاضل (محمد بركات) حيث تمّ تقسيم هذا المصنف بين طلبة هذه الحلقة ليتمثل كلٍ منّا هذه الرؤية المنهجية في الكشف عن تراثنا البلاغي و قد جاء تعيني من بين زملائي ليشمل باب الرثاء،باب الاقتضاء والاستنجاز،باب العتاب،باب الوعيد والإنذار،باب الهجاء،باب الاعتذار،باب سيرورة الشعر والحظوة في المدح،باب ما أشكل من المدح والهجاء،باب في أصول النسب وبيوتات العرب،باب مما يتعلق بالأنساب،وباب ذكر الوقائع والأيام.
في هذه الأبواب يحاول ابن رشيق أن يؤسس منهجاً أسلوبياً في طرق هذه الأبواب قوامه القدرة على النظم ومعرفة مرامي الكلام وضرورة مراعاة حال المخاطبين ومستواهم الثقافي والاجتماعي والسياسي.وحسن اختيار المتفنن لألفاظه وتراكيبه وشواهده ودلالاته حتى يصل إلى المتلقي ويؤثر فيه ويتم التوصيل إذ أن التوصيل الجيد والتأثير النافع هما غاية الكلام وبذا يستطيع المنشئ تحقيق القيمة العامة والقيمة الخاصة وقيمة القيمة.
فالرثاء سبيله أن يكون ظاهر التفجع مخلوطاً بالتلهف والاستعظام إن كان الميت ملكاً أو رئيساً كبيراً، والاقتضاء طلب الحاجة،لذا من الأجود والأصوب التلطف فيه و العتاب له طرائق لاسيما عتاب الأشراف أما الوعيد والإنذار والهجاء فهي أبواب أخرى في الشعر يحسن بالمرء أن يعرف خيرها وموقف الإسلام منها وإنّ أبلغ الهجاء أعفّه وأصدقه، والتعريض أهجى من التصريح وذلك لاتساع الظن فيه وشدة تعلق النفس به والبحث عن معرفته لاسيما إن كان المهجو ذا قدرٍ في نفسه وحسبه،أما أجود الهجاء فهو سلب الإنسان الفضائل النفسية،وفي باب الاعتذار يجب على المعتذر أن يذهب مذهباً لطيفاً أخذاً بقلب المعتذر إليه مستخلصاً رضاه لا اعتذارٌ يقوم على الاحتجاج وإقامة الدليل وخاصة مع الملوك وذوي السلطة.
ويتحدث ابن رشيق عن بعض القبائل التي حظيت بالمديح كقبيلة مخزوم وإنّ بعضها الآخر شقي بالهجاء وفي بقية الأبواب تتحدث عن أصل الأنساب وطبقات العرب فهي ست طبقات:(شعب،قبيلة،عمارة،بطن،فخذ وفصيلة)وعرض لألقاب بعض القبائل مثل الأحابيش والأراقم والأكابر، أما في باب ذكر الوقائع والأيام فقد ذكر فيه ما تأدى إليه من أيام العرب ووقائعهم.