بين حلل البلاغة وأغراض الشعر
عند ابن رشيق القيرواني
الجامعة الأردنية- قسم اللغة العربية
أضاف كتاب " العمدة" لابن رشيق القيرواني إلى خزانة الأدب العربي موسوعة في الشعر ومحاسنه ونقده وأغراضه، وموسوعة أخرى في البلاغة وفنونها المختلفة، وقد توج هذا الكتاب جهود الأدباء والعلماء والنقاد في المغرب والمشرق على حد سواء، فلا غنى لباحث في الشعر أو النقد أو البلاغة عنه.
كشفت هذه الصفحات ( 84- 143 ) والتي شملت تسعة أبواب ما كان يتمتع به ابن رشيق القيرواني من ثقافة متنوعة متصرفة في فنون الأدب المختلفة فلم يكن ناقلاً لآراء غيره فحسب بل متدخلاً بها معطيا رأيه كناقد حصيف متزن وأديب متميز ذواقة وشاعر رقيق الحس والمشاعر.
فها هو في صفحاته الأولى من هذا التعيين يكمل الحديث عن فنون البلاغة، ويتصدرها بحديث ذي شجون عن التضمين الذي يعرفه بقوله: " هو قصدك إلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في آخر شعرك أو وسطه كالمتمثل " وهو باب يختلط على كثير من الشعراء ممن ليس له ثقوب في العلم ولا حذق في الصناعة، وهو بذلك يكشف ضرورة ما يجب أن يتمتع به الشعراء من ثقافة ودربة. وبدقة الأسلوب ورونقه نجد ابن رشيق ينتقل بنا لبيان أنواع التضمين مفرقا بينه وبين الإجازة التي هي " بناء الشاعر بيتاً أو قسيماً يزيده على ما قبله، وربما أجاز بيتاً أو قسيماً بأبيات كثيرة ".
وكعادة ابن رشيق في قشع الضباب وإزالة الغموض عن مصطلحاته نجده يشفع ما يجيء به بالشواهد الشعرية التي تبين عن مقصوده.
يتدرج بعدها للحديث عن فن بلاغي آخر هو " الاتساع " فعرفه بـ: " أن يقول الشاعر بيتا يتسع فيه التأويل؛ فيأتي كل واحد بمعنى "، وفي استكناه مراده نجده يحث الشعراء على استخدام ألفاظ قوية يتسع فيها المعنى ليتسع فيها التأويل.
وأتبع ابن رشيق هذا الباب بباب بلاغي آخر هو " الاشتراك " مبينا أنواعه التي تقع في اللفظ والتي تقع في المعنى مفرقا بين الاشتراك والسرقات الشعرية التي أفرد لها كتابا هو " قراضة الذهب ". أما عن آخر ما تحدث به من هذه الفنون فهو " المغايرة " التي تعكس افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم، وعرفها بأن " يتضاد مذهبان في المعنى حتى يتقاوما ثم يصحا جميعا " ومثاله كره أحد الشعراء لوم الحبيب بينما يجد الآخر فيه طلاوة.
إن كاتبنا لشاعر قبل أن يكون بليغا، وطبعه يفرض عليه أن يكون متصرفا في أنواع الشعر من جد وهزل، وحلو وجزل، وأن لا يكون في النسيب أبرع منه في الرثاء، ولا في المديح أنفذ منه في الهجاء، لذلك فُضل أبو نواس على مسلم بن الوليد، والفرزدق على جرير... فالقيرواني لا يجد ضيرا في ذلك بل إنه يعتبر الكُتاب هم الأقدر على التصرف، فهم أرق الناس في الشعر طبعاً، وأملحهم تصنيعاً، ومن هؤلاء: إبراهيم الصولي وابن الزيات والحسن بن وهب، وغيرهم كثيرون، فقد قال فيهم ابن رشيق: " لو حاولت أن أذكر من علمت من شعراء الكتاب لبعد الأمل وطالت الشقة واحتجت إلى أن أقيم لهذا الفن ديوانا مفردا".
إن ولع ابن رشيق بالشعر دفعه إلى أن يسجل لمسات إبداعية في الحديث عن أغراضه ووصايا الشعراء الفحول في ذلك والتي أتبع الحديث عنها بعد انتهائه من الحديث عن فنون البلاغة، جاعلا النسيب أولى هذه الأغراض، متخيرا أعذب وأرق ما قيل فيه من قديم العصر وحديثه، مبتعدا عن الفاحش منه والرديء، مبينا عيوبه، كاشفا عن مغزى الأسماء التي يتغزل الشعراء بها.
وبأسلوب ظريف وحنكة بديعة قدم لنا لفتات طريفة لغرض شعري آخر وهو غرض المديح ففيه بين سبيل الشاعر في مدح الملك أو الوزير أو الكاتب أو القائد أو القاضي أو السوقة... ولقد تخير من لذيذ الشعر لبيان ما توصل إليه من فروقات بين مديح هؤلاء جميعا، مقدما أفضل ما مدح به كل منهم وما عيب في هذا الغرض الشعري.