بقلم: نزار جبريل السعودي
الجامعة الأردنية- قسم اللغة العربية
يحتاج التراث العربي إلى قراءةٍ جديدةٍ تبرز مكنوناته , وتستخرج درره من قعر بحره الكبير الثرّ, وهذا ما اضطلع به الأستاذ الدكتور محمد بركات أبو علي في كتبه العديدة , والتي من أهمها كتابه " كيف نقرا تراثنا البلاغي "، الذي وضع فيه منهجيةً جديدةً، للتعامل مع كتب التراث والبلاغة .
وانطلاقاً من هذا الهدف تناولنا كتاب ابن رشيق (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ) بالتحليل والنظر , وقد تناولت الكتاب من أوله وحتى الباب السابع، وهو باب (احتماء القبائل بشعرائها), والأبواب التي يتخللها هذا التحديد هي :
الباب الأول : بابٌ في فضل الشعر .
الباب الثاني : بابٌ في الرد على من يكره الشعر.
الباب الثالث : بابٌ في أشعار الخلفاء والقضاة والفقهاء .
الباب الرابع : باب من رفعه الشعر ومن وضعه .
الباب الخامس : باب من قضى له الشعر ومن قضى عليه .
الباب السادس : باب شفا عات الشعراء, وتحريضهم .
وقد أحببت أن أتناول الباب الثاني بالنظر والتحليل، وهو باب (الرد على من يكره الشعر) .
دافع ابن رشيق عن الشعر، ورد الشبه التي أحاطها به المغرضون،و من ذلك:
1. ذكر حديث الرسول "e": (إنما الشعر كلام مؤلف: فما وافق الحق منه فهو حسن, وما لم يوافق الحق فلا خير فيه ) .
2. رد على من فسر الآية الكريمة " والشعراء يتبعهم الغاوون" بأنها نزلت في المشركين الذين هجوا النبي"e".
3. رد على الكارهين للشعر، الذين يرون أن القرآن الكريم منثور, فالقرآن برأيه أعجز الشعراء وليس بشعر، وأعجز الخطباء وليس بخطبة، وإعجازه الشعراء أشد برهاناً، لأنهم لما عجزوا عن الإتيان بمثله، قالوا :هو شاعر، وقد أورد كلاما كثير في الرد على هذه الشبه .
ومن خير من دافع عن القرآن الكريم ، وعن الشعر مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تحت راية القرآن"، وكذلك الدكتورة عائشة بنت عبد الرحمن "بنت الشاطئ" في كتابها " قيم جديدة للأدب العربي".
يذكر الرافعي أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه،لأنه ليس من وضع الإنسان ، ولو كان من وضع إنسانٍ لجاء على طريقةٍ تشبه أساليب العرب، ولقد أحس العرب بهذا المعنى، واستيقنه بلغاؤهم، ولولاه لما أفحموا .
وأما بنت الشاطئ، فقد ذادت عن حِمى الشعر بالحجة الدامغة والكلمة الصادقة , ومن جميل ما دافعت به عن الشعر :
أولاً : الإسلام لم يهاجم الشعر لذاته , بل هاجم المعاني الساقطة الداعية إلى الرذيلة .
ثانياً : الإلحاح في نفي الشاعرية عن النبي "e", لا يعني أن الإسلام قد عادى الشعر وأنكره, إنما هو بيانٌ لرسالة النبي"e"، ودفعٌ للوهم الذي خلط بين الشعر والنثر.
ثالثاً :آية الشعراء لعنت المضللين والكاذبين، واستثنت المؤمنين ولو لم يكن ذلك لما استحل النبي"e" استصفاء شاعرٍ له , ولما خلع بردته على كعب , ولما أعجب بمراثي الخنساء , ولما دعا للنابغة الجعدي .
رابعاً : جزعت قريش يوم أن علمت بخروج الأعشى ليعلن إسلامه , خوفاً من سلطان الشعر، وتقديرًا لخطره على الرأي العام .
وبهذا ينتهي دور التحديد المقرر لي عند الباب السابع، باب (احتماء القبائل بشعرائها)
وأخيراً لا يسعني إلا أن أشكر أستاذنا الفاضل، الذي أتاح لنا فرصة التعرف على كنزٍ من كنوز التراث العربي، و التعامل معه.