ابن رشيق القيرواني في العمدة
بقلم : شاهر محمد عبد الرحيم جبر
الجامعة الأردنية- قسم اللغة العربية
نحن مع شاعر، كاتب، ناقد، عاش في القيروان، ولعل كتاب العمدة أن يكون دراسة مستوفاة لكل ما يشغل الحياة الأدبية العربية، وهو من أهم كتب التراث العربي في النقد الأدبي، وقد عرضت لعدة أبواب وردت في الجزء الثاني من كتاب العمدة .
وأول هذه الأبواب " باب في أصول النسب و بيوتات العرب " – فقد عرض ابن رشيق لأصل الأنساب ، فأول النسب بعد آدم عليه السلام هو نوح عليه السلام، وقد قسم ابن رشيق العرب إلى ست طبقات : شعب، و قبيلة، و عمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة، وسميت الشعوب لان القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل لان العمائر تقابلت عليها، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل، وعرض لأصل تسمية الطبقات، وهي على تأليف خلق الإنسان فالشعب أعظمها مشتق من شعب الرأس، ثم القبيلة من قبلته، ثم العمارة من الصدر ثم البطن والفخذ و الفصيلة. كما عرض لمفاخر القبائل وفرسانهم .
وفي باب " ذكر الوقائع و الأيام " – فقد أثبت ما تأدى إليه من أيام العرب ووقائعهم و مغازي الرسول في بدر و أحد و الخندق ومؤتة و فتح مكة، و ذكر أيام العرب فذكر يوم " أراب " لبني ثعلبة بن بكر، ويوم " نعف فشاوة " لبسطام بن قيس،ويوم نجران للأقرع بن حابس وغيرها .
وفي باب " معرفة ملوك العرب " – فقد ذكر ملوك اليمن و منهم يعرب بن قحطان ، و أبرهة الرائش ، و العبد بن أبرهة وغيرهم ، كما ذكر ملوك الشام و الحيرة وأورد أسماءهم.
وفي باب "العتاق من الخيل ومذكوراتها "- فقد ذكر أسماء خيل الرسول فمنها السكب والمرتجز واللزاز والضرب واللجيف والورد، وأورد أسماء الخيل عند القبائل العربية كالوجيه ولاحق لبني سعد، وحلاب لبني ثعلب،والصريح لبني نهشل وغيرها .
ولو نظرنا إلى هذه الأبواب التاريخية،وقد أحس ابن رشيق أن هناك اعتراضا عليه لإيراد مثل هذه الأبواب في كتاب معقود أصلا لمعرفة صناعة الشعر ونقده و عيوبه ولذلك نراه يبرر صنيعه بقوله " فإنما هذه القطعة تذكرة للعالم، وذريعة للمتعلم،وزينة لهذا الكتاب،ووفاء لشرطه،وزيادة لحسنه " فهو يرى أن هذه الأبواب تعين الدارس لأشعار العرب، وتطلعه على ظروفها وملابساتها، لان هذه الأشعار كثيرا ما تتصل بالأيام، ومن ثم اتضحت حاجة الدارس لأشعار العرب حتى لا يعمى عليه وجه الصواب.وأعتقد أن ابن رشيق قد أورد هذه الأبواب التاريخية لأغراض ووظائف نفسية واجتماعية و حضارية من خلال ربط القديم بالجديد، فهو يريد أن يذكر الشاعر و المتعلم و المتلقي بأخبار العرب وأيامهم وتراثهم ، فنسيان هذا التراث آفة تقطع الصلة بين الإنسان وتراثه لان من المفيد لدارس البلاغة أو الأسلوبية أن يتعرف على تراثه القديم لان القديم أصل الجديد، أما الغرض الاجتماعي والحضاري لهذه الأبواب فهو يستحضر هذا التراث،ويضعه بين يدي المتلقي ليفيد منه،ويربطه في حياته وواقعه، فمضمون الأبواب يهدف إلى غرض ابن رشيق وغايته وهو تذكير المتلقي بها وربطها في حياته،أما الأسلوبية عند ابن رشيق في ذكره لبعض مغازي الرسول وفي سرده للوقائع مع المشركين نراه ينتصر للإسلام ويذود عن حماه، وقد قدم أيام الرسول ووقائعه على غيرها من أيام العرب لان الرسول أولى بالتقديم والتعظيم،وهو يرجو البركة منه، فميوله ونوازعه تجاه الرسول يمنحه البركة والفائدة .
ويقول في غزوة بدر مثلا بأنه قد قتل من المشركين خمسون رجلا، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، فهو يصف المسلمين بالشهداء ويصف المشركين بالقتلى وهذا يعود إلى مرجعيته الدينية الصادقة وتحيزه إلى عقيدته ودينه .
وفي باب " المعاني المحدثة " – يقارن فيه بين القدامى والمحدثين، ويفضل الشعراء الإسلاميين، ويرجع ذلك إلى ما اهتدوا إليه من المعاني العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء إلا نادرا، ويقول أيضا نقلا عن أبي الفتح بن جني بأن المولدين يستشهد بهم في المعاني،كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، لان المعاني اتسعت باتساع الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض، فمصروا الأمصار، وحضروا الحواضر، وتأنقوا في المطعم والملبس، فكثرت المعاني،وتولدت لدى بعض الشعراء كابن الرومي فوصف قوس قزح، ووصف خبازا، وأورد بعض الصور لما انفرد به أبو نواس وبشار بن برد .
وفي باب " أغاليط لشعراء و الرواة " فقد بدأه بتقرير أن الشاعر وان كان مجيدا، والعالم وان كان حاذقا فلا مناص من أن يخطئ كل منهما، ويؤخذ عليهما ما يعاب من النقص والتقصير،
وأولى بمن أخطأ أن يرجع إلى الصواب، ولا يتمادى في الخطأ، وابن رشيق لم يكتف بسرد نقد الأدباء والرواة وحكاية أقوالهم دون أن يبدي فيها رأيه بل كثيرا ما نراه يستدرك على نقدهم، ويبين وجوه خطئهم، وينقد الأبيات نقدا أدبيا، ويلفت النظر إلى ما فيها معتمدا على حسه النقدي وذوقه الأدبي وبصره باللغة، فقد أورد للأصمعي ما أخذه على زهير،وأورد للآمدي ما أخذه على البحتري، وأورد مآخذ على جرير، وكعب بن زهير،وعلى المفضل في رواياته، وعلى الفرزدق والاخطل وأبي نواس .
ولو نظرنا إلى أسلوب ابن رشيق في هذا الباب لأدركنا أنه قد حصر بعض أخطاء الشعراء ونبه إليها، الأمر الذي يمكن الإفادة منه في النقد الأدبي الحديث في الوقت الحاضر بالابتعاد عن هذه الأخطاء، وتجنبها قدر الإمكان لما وقع فيها من تصحيف وتحريف وما فيها من ضعف عام .
مما تقدم نلاحظ أن القدماء كانوا يعرضون في أبحاثهم لما أودعته العرب من الأخبار والأنساب والخيل و ملوك العرب وأيامهم ووقائعهم، ويعدون تلك الأبحاث قريبة الصلة بأبحاث الأدب، ولا غرابة في ذكر تلك الأبواب التي تبدو لنا بعيدة الصلة بالبحث، لان ابن رشيق كان يرى أن الشاعر ينبغي له أن يأخذ نفسه بحفظ الشعر والأخبار و معرفة الأنساب وأيام العرب لحاجته له جميعا في شعره، ولتعينه على فهم التراث الشعري العربي .